سياسة "إسرائيلية" ممنهجة

ارتفاع الأسعار وتراجع المساعدات.. "شبح المجاعة" يعود إلى الواجهة في غزة

ارتفاع الأسعار وتراجع المساعدات..
تقارير وحوارات

غزة/ خالد داود:

مع اقتراب الشتاء، تتزايد المخاوف من تدهور الأمن الغذائي في قطاع غزة، في ظل ارتفاع أسعار بعض السلع الأساسية، وتراجع المساعدات الإنسانية، وضعف القدرة الشرائية للأسر التي أنهكتها الحرب والنزوح، والسياسات الإسرائيلية الممنهجة التي تستهدف النيل من الفلسطينيين في القطاع وتجويعهم وحصارهم.

وبين رفوف الأسواق التي تتفاوت فيها وفرة السلع وقدرة المواطنين على شرائها، يظل تأمين وجبة يومية تحديًا يثقل كاهل آلاف العائلات.

ولم تعد المخاوف من عودة المجاعة إلى قطاع غزة مرتبطة فقط بوصول الغذاء إلى الأسواق، بل باتت تتعلق أيضًا بقدرة المواطنين على شرائه، وانتظام دخول البضائع والمساعدات جراء تعقيدات الاحتلال، واستمرار برامج الإغاثة التي يعتمد عليها ملايين السكان لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وتتزايد المخاوف من اتساع الأزمة مع تراجع مخزون الطحين وارتفاع أسعار المواد الغذائية المتبقية، فيما باتت عائلات عاجزة عن تأمين احتياجاتها اليومية، بالتزامن مع تحذيرات منظمات حقوقية وإنسانية من تداعيات استمرار القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول الغذاء والوقود والمساعدات.

ومع حلول أواخر أكتوبر/تشرين الأول، عادت مؤشرات مقلقة إلى الواجهة، بعد تقارير أممية تحدثت عن ارتفاع أسعار مواد غذائية، وتراجع أعداد المستفيدين من المساعدات، وتعطل مؤقت لإمدادات تجارية، في وقت تستعد فيه العائلات النازحة لمواجهة فصل الشتاء في ظروف معيشية صعبة.

وفي تقرير نشره برنامج الأغذية العالمي في 19 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن البرنامج خفض مساعداته الغذائية في غزة بنحو الثلث بسبب نقص التمويل. وأوضح أنه بات يدعم نحو 1.1 مليون شخص في أكتوبر، مقارنة بنحو 1.6 مليون في سبتمبر/أيلول، كما خفّض الحصص الغذائية إلى النصف، وقلّص عدد الوجبات الساخنة التي يقدمها يوميًا من 250 ألفًا إلى 150 ألف وجبة.

 

شبح المجاعة يعود

ويعرب المواطن، فواز زيارة عن تخوفه من عودة المجاعة مجدداً بعد ما أعلنت عنه العديد من المؤسسات الدولية عن تقليص المساعدات والحالة غير المنتظمة لفتح المعابر ودخول البضائع والأغذية التي تتوافر بشكل محدود جداً في الأسواق وبأسعار مضاعفة عما قبل الحرب، وفق قوله.

ويضيف زيارة لـ"الاستقلال": "المشكلة ليست فقط أن نجد الطعام في السوق، بل أن نمتلك ثمنه. قد تدخل بعض الخضراوات والمواد الأساسية إلى المحال، لكننا نضطر إلى شراء كميات قليلة جدًا، ونؤجل شراء أشياء أخرى حتى نستطيع توفير وجبة لأطفالنا ومع كل ارتفاع في الأسعار، نشعر بأن الخيارات تضيق أكثر".

ويلفت زيارة إلى أن من يقف وراء كل ذلك هو الاحتلال الإسرائيلي، الذي ينتهج سياسات عدة بهدف اخضاع وحصار وتجويع أهالي قطاع غزة، ومضاعفة معاناتهم.

من جانبه، يعيش المواطن حسن شبات ذات الهاجس، مشيراُ إلى أن شبح عودة المجاعة صار حاضراً بقوّة لدى جميع أهالي غزة، بعدما عاشوا ظروفاً إنسانية قاسية في خلال فترة المجاعة التي شهدها القطاع أثناء الحرب الإسرائيلية.

ويستعيد محمد في حديثه لـ "الاستقلال" ذكريات الجوع الأولى، وما عاناه أطفال عائلته حينها من نقص المناعة وسوء التغذية، مشيراً إلى أنّ تلك التجربة تركت آثاراً عميقة لدى الفلسطينيين الذين يخشون اليوم تكرار الظروف ذاتها في ظلّ تفاقم الأزمة الغذائية حالياً.

ويوضح بأنه أمضى معظم يومه وهو ينتظر ـفي الطابور للحصول على ربطة خبز، وبحثاً عن بضع حبات من الطماطم في السوق لم يجدها، لافتاُ بأن السؤال عن الدجاج غير وارد بالنسبة له جراء اختفاءه من الأسواق منذ أسبوع أو أكثر، وإن تواجد فبأسعار باهظة جداً.

اضطراب الأسواق

ولا تنعكس أزمة الغذاء على المواطنين وحدهم، بل تمتد إلى الباعة والتجار الذين يواجهون صعوبات في تأمين البضائع جراء عدم انتظام دخولها والاغلاق المتكرر للمعابر التي تعمل بشكل محدود أساساً، وتغير الأسعار، وتكاليف النقل والتخزين، ومحدودية الطلب لدى الزبائن الذين تراجعت قدرتهم على الشراء.

ويقول بائع خضراوات أبو عدي طافش لـ "الاستقلال": "أحيانًا نشتري البضاعة بسعر مرتفع، ولا نستطيع بيعها بالسعر الذي يضمن لنا هامش ربح مناسبًا، لأن الناس لا تملك المال الكافي، نضطر إلى تقليل الكميات التي نشتريها، وبعض الأصناف لا نستطيع توفيرها باستمرار، نحن أيضًا متضررون؛ فارتفاع تكلفة البضاعة لا يعني أننا نربح أكثر، لأن حركة البيع أصبحت مرتبطة بما يستطيع المواطن دفعه".

ويؤكد طافش أن النقص الحاد في المواد الغذائية أدى إلى تراجع النشاط التجاري وإغلاق عشرات المطاعم والمنشآت التي لم تعد قادرة على توفير مستلزمات الإنتاج، ولا سيما اللحوم والخضراوات والفواكه، في وقت فقد فيه مئات العمال مصادر رزقهم.

ويشير إلى أن معظم الأغذية الأساسية باتت مفقودة في الأسواق، وأن ما هو متواجد كميات قليلة جداً لا تلبي ولو جزء بسيط من العائلات، لافتاً إلى أن الاحتلال يتحكم بكل لقمة تصل إلى المواطن في غزة، ومتى شاء يمنع هذه اللقمة من الوصول إليه.

ويؤكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أن انتظام دخول المساعدات والسلع التجارية يمثل عاملًا أساسيًا في استقرار الإمدادات الغذائية. كما حذرت منظمات إنسانية من أن المساعدات وحدها لا تستطيع تلبية احتياجات السكان جميعًا، وأن استمرار عمل الأسواق إلى جانب الإغاثة ضرورة لتوفير الغذاء بصورة أوسع وأكثر تنوعًا.

ضغط التمويل

في موازاة اضطراب الأسواق، يواجه القطاع الإنساني تحديًا متزايدًا يتمثل في نقص التمويل، وهو ما ينعكس على عدد المستفيدين وحجم الحصص الغذائية وانتظام توزيعها.

ووفق تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية الصادر في 22 أكتوبر، كان شركاء قطاع الأمن الغذائي يتوقعون الوصول إلى أقل من مليون شخص شهريًا بالمساعدات الغذائية ابتداءً من أكتوبر 2026، مقارنة بنحو 1.3 مليون شخص تلقوا شكلًا من أشكال المساعدة خلال سبتمبر.

ويختلف هذا الرقم عن عدد المستفيدين الذي أعلنه برنامج الأغذية العالمي، لأن كل جهة تستخدم نطاقًا تشغيليًا وتعريفًا للمساعدة قد يختلف عن الآخر؛ لذلك لا ينبغي جمع الأرقام أو مقارنتها مباشرة باعتبارها قياسًا واحدًا.

كما أفاد التقرير الأممي بأن الحصص الغذائية المقدمة للأسر المستفيدة لا تغطي سوى نحو 50% من الحد الأدنى للاحتياجات الحرارية. وهذا يعني أن حصول الأسرة على المساعدة لا يضمن بالضرورة تلبية احتياجاتها الغذائية كاملة طوال الشهر.

وتزداد المخاوف مع اقتراب فصل الشتاء، إذ تتزامن الاحتياجات الغذائية مع تكاليف إضافية تتعلق بالمأوى والملابس والتدفئة والنقل والرعاية الصحية، ما يضعف قدرة الأسر على تخصيص دخلها المحدود للطعام وحده.

التعليقات : 0

إضافة تعليق